الشيخ محمد حسن المظفر
84
دلائل الصدق لنهج الحق
فقد ثبت أنّ صحّة الرؤية مشتركة بين الجوهر والعرض ، وهذه الصحّة لها علَّة مختصّة بحال وجودهما ؛ وذلك لتحقّقها عند الوجود ، وانتفائها عند العدم ، ولولا تحقّق أمر يصحّح حال الوجود غير [ متحقّق ] حال العدم لكان ذلك ترجيحا بلا مرجّح . وهذه العلَّة لا بدّ أن تكون مشتركة بين الجوهر والعرض ، وإلَّا لزم تعليل الأمر الواحد بالعلل المختلفة ، وهو غير جائز . ثمّ نقول : هذه العلَّة المشتركة إمّا الوجود أو الحدوث ، إذ لا مشترك بين الجوهر والعرض سواهما ، لكنّ الحدوث عدمي لا يصلح للعلَّة ، فإذا العلَّة المشتركة : الوجود ، فإنّه مشترك بينها وبين الواجب ، فعلَّة صحّة الرؤية متحقّقة في حقّ اللَّه تعالى ، فتتحقّق صحّة الرؤية ؛ وهو المطلوب . ثمّ إنّ هذا الدليل يوجب أن تصحّ رؤية كلّ موجود : كالأصوات ، والروائح ، والملموسات ، والطعوم - كما ذكره هذا الرجل - ، والشيخ الأشعري يلتزم هذا ويقول : لا يلزم من صحّة الرؤية لشيء تحقّق الرؤية له . وإنّا لا نرى هذه الأشياء التي ذكرناها بجري العادة من اللَّه تعالى بذلك - أي بعدم رؤيتها - فإنّ اللَّه تعالى جرت عادته بعدم خلق رؤيتها فينا ، ولا يمتنع أن يخلق اللَّه فينا رؤيتها كما خلق رؤية غيرها . والخصوم يشدّدون عليه الإنكار ويقولون : هذه مكابرة محضة ، وخروج عن حيّز العقل بالكلَّيّة . ونحن نقول : ليس هذا الإنكار إلَّا استبعادا ناشئا عمّا هو معتاد في الرؤية ؛ والحقائق ، والأحكام الثابتة المطابقة للواقع ، لا تؤخذ من العادات ،